ابن قيم الجوزية

498

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

علّة ولا حكمة ، ولهذا كان كل من نفى التعليل والحكم ، نفى الأسباب ، ولم يجعل لحكم الربّ الكوني والديني سببا ولا حكمة ، هي العلة الغائيّة ، وهؤلاء ينفون الأسباب والحكم ، ومن تأمّل شرع الربّ وقدره وجزاءه ، جزم جزما ضروريا ببطلان قول النفاة ، واللّه سبحانه قد رتب الأحكام على أسبابها وعللها ، وبيّن ذلك خبرا وحسّا وفطرة وعقلا ، ولو ذكرنا ذلك على التفصيل ، لقام منه عدة أسفار . فصل النوع التاسع : تعليله سبحانه عدم الحكم القدري والشرعي بوجود المانع منه ، كقوله : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ( 33 ) [ الزخرف ] * وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ( 27 ) [ الشورى ] وقوله : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ( 59 ) [ الإسراء ] أي : آيات الاقتراح ، لا الآيات الدالة على صدق الرسل التي يقيمها هو سبحانه ابتداء ، وقوله : وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ( 44 ) [ فصلت ] وقوله : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 ) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 ) [ الأنعام ] . فأخبر سبحانه عن المانع الذي منع من إنزال الملك عيانا بحيث يشاهدونه ، وأن حكمته وعنايته بخلقه منعت من ذلك ، فإنه لو أنزل الملك ،